الشيخ أحمد فريد المزيدي

337

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

واعلم أن ضرر الأديان أشر من ضرر الأبدان ، وسقم الجوارح والأجسام أسهل من سقم القلوب والأفهام ، لأن علل الدين والآفات المعترضة على اليقين سبب للبوار ، وموردة لأهلها على النار ، مؤدية إلى سخط الجبار وما عدا ذلك إلى غيره ، وكان واقفا فيما سواه من الأمراض والأسقام الكائنة في الجوارح والأجسام ، فذلك ضرر يؤمل برؤه ، ويزول مكروهه وشره ، ويرجى من اللّه تعالى ثوابه وأجره . واعلم أن الطبيب العالم المجرب ، والحكيم الناصح المؤدب ، أعلم بدنف الأبدان والعلل المخامرة بآفاتها للأديان ، لأن المعبر عنهما يعبر عما يجد من ذاته ، والواصف لما حل به من بلائه ، مقصر عن بلوغ نعته لذلك ، مختلف عن الوصف لما هنالك . ووصف المتطبب الخبير ، والمجرب البصير ، يكشف لأهل الأمراض عما وجدوه ، وينبئهم عن زوال ما فقدوه ، حتى كان الموصوف بعبارة اللسان ، منظور إليه بحقيقة العيان ، وإني أصف لك على أثر ذلك أمورا تقوي لك حالك ، وتبلغك غاية البغية من سؤالك ، والقوة باللّه العظيم . اعلم أيها المنسوب إلى العلم ، بوقوع الصحو لك تتبين حيرة السكرة ، وبكون الإفاقة تقف على وقت الغمرة ، هو بصحبة الذكر ينكشف لك وبال الغفلة ، وبالسلامة والعافية يتميز وقت العلة . فاعلم أن ذلك كله ، مشغل في حين كونه عن حقيقة معرفته ، ضارّ لأهله بما لبسهم منه عن وجود حيرته إلا بحمله علم مزاجه اللبس والظلمة ، ليثبت اللّه تعالى بذلك عليهم الحجة فخلّ عن نفسك أيها المعني بها والحريص على تعجيل استنقاذها وبال السكرة والغمرة والغفلة والحيرة باستعمال ما أصفه لك والإسراع إلى ما أحثك عليه ، والمبادرة إلى ما أشير به إليك . فإن صحة الصدق وجودة القصد ، يؤديانك إلى المحل الذي هو باب المدخل فيما تحبه ، والمخرج مما تكرهه ، ولن يحجبك عن بلوغ ما تريد - والقوة باللّه - إلا بتقصيرك عن المجاهدة في واجب حق السعي عليك فاحذر ، ثم احذر ، أن تكون على شيء من ذلك مقصرا ، أو ألفاك وقتا وأنت عنه فاتر راجع ، فإن مطيتك الموصلة لك إلى بغيتك ، صدقك في إقامة المناصحة في محل مجاهدتك قد أوقفتك على وجه المنهج والمدرجة وقربتك من المسير على أوضح المحجّة . واعلم أيها الرجل الحاذر ، المحثوث المبادر ، أن الإقامة المانعة لك ولنظرائك بعد الحمل للعلم ، وطول السعاية فيه ، ودوام العناية بجمعه ، والاستكثار من الحمل له ، والميل إلى التأويل ، والدخول به فيما خفي من النفس من الميل إلى الدنيا والركون إليها .